يعرض عمرو حمزاوي، بالاشتراك مع سارة يركس وكاثرين سيلفي، قراءة تحليلية لتجارب الوساطة الأميركية في الشرق الأوسط، وينطلق من عودة واشنطن إلى واجهة الجهود الدبلوماسية بعد تصديق مجلس الأمن على القرار 2803 الذي أقر خطة شاملة لإنهاء الحرب على غزة، مستندة إلى مقترح أميركي من عشرين نقطة. يناقش التحليل كيف يمكن للولايات المتحدة أن تتفادى أخطاء الماضي وأن تستثمر أدوات أثبتت فعاليتها تاريخيًا، بدل الاكتفاء بإدارة الأزمة أو تدويرها.
وفي هذا السياق، تشير مؤسسة كارنيجي في تحليلها إلى أن نجاح أي مسار راهن يرتبط بقدرة الوسيط على الجمع بين القيادة السياسية الرفيعة، والحوافز الملموسة، والضمانات الأمنية، مع ترتيبٍ ذكي للمراحل يهيئ الرأي العام المحلي والإقليمي لقبول السلام المستدام.
أولًا: ما الذي نجح في مساري مصر إسرائيل والأردن إسرائيل؟
يستعرض التحليل تجربتين ادعى نجاحهما نسبيًا للوساطة الأميركية. في المسار المصري الإسرائيلي بين عامي 1974 و1979، قاد الانخراط الرئاسي المكثف والدبلوماسية المكوكية إلى اتفاقات فك الاشتباك، ثم إلى قمة كامب ديفيد، وصولًا إلى معاهدة السلام. اعتمدت واشنطن حزمة حوافز اقتصادية وعسكرية كبيرة، وربطتها بتنازلات واضحة وقابلة للتحقق، كما وفرت ترتيبات أمنية متعددة الطبقات في سيناء، ما جعل السلام خيارًا سياسيًا ممكنًا للطرفين.
وفي المسار الأردني الإسرائيلي، استفادت الولايات المتحدة من غياب صراع عسكري مباشر حديث، فدفعت باتجاه تسلسل سريع لكن مرحلي، وربطت التقدم الدبلوماسي بحوافز اقتصادية وضمانات سياسية. لعبت السرعة المدروسة، وإدارة الرأي العام، دورًا حاسمًا في تقليص فرص المعرقلين، ما أسهم في تثبيت اتفاق وادي عربة واستدامته.
ثانيًا: لماذا تعثرت مسارات فلسطين إسرائيل وسوريا إسرائيل؟
يُرجع التحليل فشل مسار فلسطين إسرائيل إلى اختلال ميزان القوى، وغياب الإرادة السياسية، وعدم تقديم حوافز كافية أو ضغوط فعالة. أدى التركيز على ترتيبات انتقالية وتأجيل قضايا الوضع النهائي إلى فتح الباب أمام المعرقلين من الجانبين، كما عجزت واشنطن عن إعداد الجمهورين لقبول كلفة السلام. زاد من الإشكال تآكل صورة الولايات المتحدة كوسيط نزيه، خاصة مع استمرار الاستيطان وتبدد الثقة.
أما المسار السوري الإسرائيلي، فواجه قيودًا بنيوية أشد تعقيدًا، أبرزها حساسية الجولان الاستراتيجية والرمزية، وتشابك الحسابات الإقليمية والداخلية. افتقرت الحوافز الأميركية إلى القدرة التحويلية التي غيّرت الحسابات في حالات أخرى، كما أضعف تذبذب الانخراط الأميركي مصداقية الوساطة وأفقدها النفوذ اللازم لدفع تنازلات متبادلة.
ثالثًا: دروس عملية لتطبيق خطة غزة والقرار 2803
يخلص التحليل إلى مجموعة دروس عملية لتطبيق المسار الراهن الخاص بغزة. أولها أن القيادة الرئاسية المستمرة ليست ترفًا؛ إذ يتطلب جمع الأطراف المتنازعة، وعزلها عن ضغوط الداخل، واستثمار الثقة الشخصية للوسيط.
ثانيها أن الترتيب المرحلي ينجح فقط عندما يقترن بجداول زمنية ملزمة وحوافز ملموسة، مع آليات مساءلة عند الإخفاق. ثالثها أن الحوافز الاقتصادية والدبلوماسية يجب أن تتماشى مع أولويات كل طرف: إعادة الإعمار ومسار واضح نحو الدولة للفلسطينيين، وأفق تطبيع إقليمي وضمانات أمنية للإسرائيليين.
كما يحذر التحليل من أن تشكيل هيئات دولية لإدارة غزة، مثل “مجلس السلام”، لن ينجح ما لم يحظَ بثقة الأطراف المعنية، ويُنظر إليه كآلية محايدة لا كأداة منحازة. ويؤكد أن بناء قوات أمن فلسطينية مهنية، بدعم إقليمي ودولي، يمكن أن يسهم في الاستقرار إذا رافقته ضمانات رقابية فعالة.
أخيرًا، يشدد التحليل على دور الدبلوماسية العامة وبناء القبول الشعبي. فغياب التأييد المجتمعي أسقط اتفاقيات سابقة رغم التقدم السياسي. لذلك، يحتاج أي مسار جديد إلى نتائج ملموسة تُقنع الجمهورين بأن السلام يحسّن الحياة اليومية ويقلّص كلفة الصراع.
بهذا المعنى، ترى مؤسسة كارنيجي أن اللحظة الراهنة تحمل فرصة نادرة، لكنها تظل مشروطة بتعلّم جاد من التاريخ، وبانتقال الوساطة الأميركية من إدارة الأزمات إلى صناعة تسويات قابلة للحياة والاستمرار.

